أن ترمي شباكك في عمق الصحراء وتخرج سمكا طازجا فتلك مفارقة عجيبة لن تجدها سوى في محافظة تطاوين (جنوبي تونس)؛ فالطبيعي أن تعيش الأسماك في البحر، إلا أن محمد تونكتي -الشاب التونسي- تحدى الطبيعة واختار منطقته الصحراوية ليربي أسماك "التيلابيا" (البلطي).

شغفه بصنع أحواض الأسماك ودراسته لصناعة الألمنيوم، دفعاه للتفكير في مشروع تربية الأسماك في منطقته رغم مناخها القاسي، فهي شديدة الحرارة صيفا وبردها قارس شتاء، أي أن الظروف صعبة والعراقيل شتى.

وتتميز محافظة تطاوين بكبر مساحتها، فهي تمثل ربع مساحة البلاد تقريبا، ومناخها صحراوي جاف، وهي من أعرق المساحات التي اكتشفت فيها آثار وبقايا الديناصورات بأنواع مختلفة، وتحديدا بقرية قصر الحدادة والمناطق الجبلية، إثر الدراسات الجيولوجية والأركيولوجية المعاصرة.

تحد وإصرار
تحدى محمد الطبيعة وكلام المحيطين به، الذين لم تقنعهم فكرة مشروعه، إلا أنه صمم على إقامته، فاتجه لمنظمة "مهارات للنجاح"، التي سرعان ما رحبت بالفكرة وساعدته على تطبيقها على أرض الواقع.

بمساعدة والده يحيى يجلب محمد الأسماك الصغيرة من جزيرة جربة، ومن محافظة قابس الساحلية، ويضعها في أحواض كان قد هيأها خصيصا حسب كبر الأسماك، فهو يقسمها إلى أسماك صغيرة وكبيرة.

"المستحيل هين والحلم سهل التحقق عندما يرافقه الأمل والإصرار". بهذه الكلمات عبّر محمد للجزيرة نت عن سعادته بتحقيق ما صبا إليه منذ سنوات، لا سيما في ظل تفاقم ظاهرة البطالة التي تعاني منها المنطقة.

سمك في الصحراء
ركز محمد مشروعه في المساحة المحيطة بمنزله، وبنى بمساعدة والده أحواضا مقسمة إلى أجزاء بالطول زودها بمياه عذبة من بئر باطنية تملكها العائلة، وبدأ شراء الأسماك، ويقول محمد "أقطع مسافات طويلة لجلب الأسماك، خاصة الصغيرة".

ويتميز سمك البلطي بقدرته العالية على التحمل، ويتواجد عادة في المياه الضحلة بالمناطق الاستوائية التي تتراوح درجة حرارتها تقريبا بين 14 و33 درجة مئوية، وهو سمك عاشب، غذاؤه الأساسي الطحالب والبكتيريا النباتية التي تعيش في المياه.

يفضل سمك البلطي العيش في البحيرات والأنهار، ويتراوح طول سمكة البلطي البالغة بين 6 و28 سنتيمترا، ويبلغ أقصى وزن مسجل لسمكة من هذا النوع أكثر من أربعة كيلوغرامات، ويحتل البلطي المرتبة الثالثة بين أنواع السمك الأكثر استهلاكا في العالم.

حال وصوله يبدأ تونكتي توزيع الأسماك على الأحواض، حسب حجمها ونوعية أكلها، فهو لا يجلب فقط الصغير منها، بل يربي أسماكا متوسطة العمر وأخرى كبيرة أيضا، بقصد توفير الكمية المطلوبة لأهالي منطقته.

يأتي سكان محافظة تطاوين خصيصا إلى منطقة تونكتي لشراء سمك طازج بدل شرائه من محلات بيع السمك التي تجلبه من المناطق الساحلية البعيدة، فيفقد جودته نتيجة الثلج الذي يُحفظ فيه.

يقول ميلود -أحد سكان المحافظة- "آتي خصيصا لشراء سمك طازج فهو لذيذ وسعره في المتناول". ويؤكد كلامه صديقه جمال ضاحكا "نشتري أسماكا طازجة لدرجة أنها تصل حية إلى البيت".

أصبحت أحواض أسماك محمد مزارا للكثيرين الذين يأتون خصيصا للاكتشاف ومتابعة مراحل نمو الأسماك وكيفية تربيتها وطريقة عيشها، كما هي الحال بالنسبة للطالبة مريم التي أتت مع والدها، وتقول للجزيرة نت "أتيت لأستفيد وأحصل على معلومات لا أعرفها عن تربية السمك، وقد أعجبني المكان جدا".

صعوبات وطموحات
اعترضت محمد صعوبات جمة عند تنفيذ فكرة مشروعه ولا تزال؛ فالتمويل ضعيف بما أن المشروع ما زال في بدايته، والتنقل من محافظة إلى أخرى لشراء السمك مكلف.

يقول محمد "أتوق إلى تحقيق اكتفاء محافظة تطاوين الذاتي من السمك، إلا أن الدعم غائب والإمكانات المادية محدودة، إضافة إلى غلاء طعام الأسماك، مما أجبرني على تصنيع أكل بنفسي".

يطمح الشاب إلى توسيع مشروعه وتطويره، وهو بصدد دراسة مشروع آخر يهتم بالزراعة المائية وإعادة تدوير المياه، بهدف تحقيق الأرباح، وبالتالي توفير يد عاملة وتقليص ظاهرة البطالة في صفوف شباب منطقته النائية.

إعداد/ نورهان كيره


المصدر: www.aljazeera.net
gafrd

الهيئة العامة لتنمية الثروة السمكيةhttp://www.gafrd.org/ [email protected] www.GAFRD.org

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 76 مشاهدة
نشرت فى 19 مارس 2019 بواسطة gafrd

الهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية - وزارة الزراعة واستصلاح الأراضى - تأسس الموقع 8 أبريل 2009

gafrd
GAFRD-General Authority for Fish Resources Development »

الترجمة

Serch

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

21,834,154